السلوك الحضاري
تعريف بالسلوك الحضاري إسلاميا
.
.

السلوك الحضاري

السلوك الحضاري 

الحمد لله بنعمته تتم الصالحات ، وبفضله تضاعف الحسنات وبعفوه تمحى السيئات علم ما مضى وما هو آت ، خلق الخلق ، وأبدع الصنع ، وأنزل التشريعات ..
أحمده سبحانه وتعالى حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه ، هو - جل و علا - أهل الحمد والثناء فله الحمد في الأولى والآخرة وله الحمد في كل آنٍ وعلى كل حال .
والصلاة والسلام الدائمان الأتمان الأكملان على المبعوث رحمة للعالمين سيد الأولين والآخرين وخاتم الأنبياء والمرسلين ، نبينا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين ، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين ، أما بعد أيها الأخوة الأحبة الكرام :

سلام الله عليكم ورحمته وبركاته ...
ويتجدد لقاءنا مع هذا الدرس الدوري الذي عنوانه في هذا اللقاء : ( السلوك الحضاري )  .
وهذا العنوان المختار قد تذهب فيه الأفكار مذاهب شتا ولكنه في الحقيقة موضوع سهل قريب يتناوله الناس كثيراً ويتعاطونه باستمرار تدور حوله كثير من أحاديثهم ، وهو موضوع عملي يتعلق بكثير من سلوكياتنا وأعمالنا ؛ لنرى المنهج الإسلامي ونقارن بينه وبين التطبيق العملي .

السلوك الحضاري ضرب من التعامل والمعاملة التي يستحسنها الناس ، ويثنون على صاحبهـا ، ويـرون لـه منزلة عظيمة ، ويصفونه بحسن الخلق وفضيلة المبادئ إلى غير ذلك ..
وقبل أن نلج إلى استعراض نماذج من هذه السلوكيات نقف وقفة موجزة ؛ لتكون مدخلاً إلى هذا الموضوع .
وهذه الوقفة تتعلق بالحضارة ومعناها ، وتتعلق بالأسس الحضارية في الإسلام وما يتعلق بأسباب ضعف وانهيار الحضارات ، وليس هذا مقصود حديثنا وإنما هو تقدمة وتوطئة ، فلا نطيل فيها القول بإذن الله عز وجل .

الحضارة في لغة العرب مشتقة من الفعل الثلاثي " حضر " ، والحضر خلاف البدوي والنسبة إليه حضري كما يقول أهل اللغة .
والحضري : هو الذي يقيم بالحضر .
والحضارة : سكون الحضر .
والحاضرة : هي التي بخلاف البادية التي يكون فيها استقرار وعمران ومدن وقرى ، كما قال القطمي الشاعر :

فمن تكن الحضارة أعجبته **** فأي رجال بادية ترانا

فهذا معنى الحضارة في أصل اللغة : هو الاستيطان والاستقرار ووجود أسباب هذا الاستيطان والاستقرار من البناء والعمران والزراعة والصناعة ونحو ذلك ، مما يكون في الحضر دون البدو.

وهذا التعريف ينسحب على كل ما فيه نوع استقرار وتقدم سواءً كان في النواحي المادية أو كان في النواحي المعنوية المتعلقة بالأفكار والمبادئ التصورات والمتعلقة كذلك بالسلوكيات ، وقد عرف ابن خلدون هذه الحضارة بجانبها المادي الذي غلب على الناس ذكره ، فاليوم عندما يصف الناس بلاداً بأنها متحضرة ؛ فإن غالب ما في أذهانهم أن تكون هذه البلاد ذات عمران شاهق ، وذات طرق واسعة ، وذات مصانع كثيرة ، وذات تقنية عالية ونحو ذلك .. فوصف ابن خلدون ذلك على هذا النحو بما كان في بيئة العرب من بادية ثم انتقالهم بعد ذلك إلى الحضارة فقال عن الحضارة : " إنها أحوال عادية زائدة على الضروري من أحوال عمران " ، وقال : " إنما هي تفنن للترف وإحكام الصنائع المستعملة في وجوهه ومذاهبه " أي في وجوه الترف والترقي ومذاهبه .

لكن عندما نأتي إلى التعريف الاصطلاحي الذي ذكره المفكرون الإسلاميون من المتأخرين نجد عبارات جزيلة ومعان قوية ،  فصاحب الضلال يعرف الحضارة قائلاً : " هي ما تعطيه للبشرية من تصورات ومفاهيم ومبادئ وقيم تصلح لقيادة البشرية وتسمح لها بالترقي والنمو الحقيقيين " .
وفسر النمو والترقي بجانبيه المادي والمعنوي فقال : " إنه الترقي والنمو للإنسان وللقيم وللحياة كلها ".
وفي تعريف آخر لأحد المفكرين يقول عن الحضارة : " إنها تصور سليم للحياة وغايتها في نظام اجتماعي يقود الإنسان إلى الرقي والإخاء والأمان " .
فهي تصور اعتقادي سليم للحياة يضع الأمور في نصابها ويعرف غايتها وينبني عليه نظام اجتماعي في التعامل يقود الإنسان إلى تحقق الرقي والإخاء والأمان .
وهذه بعض التعريفات التي ذكرها المفكرون الإسلاميون تبدي لنا أن الحضارة مبنية على العقائد والمبادئ ، وأنها تهدف إلى الرقي والنمو في هذا الجانب ، وفي جانب الأخذ بأسباب الحضارة المادية واستخدام وتسخير ما أنعم الله سبحانه وتعالى به على الناس في هذه الأرض من خيرات ، وفي هذه الحياة الدنيا من أسباب تعين الناس على شئون حياتهم وأمور دنياهم .

وأما أسس الحضارة في الإسلام فيمكن الإشارة إليها في ضوء هذه التعاريف في جانبين اثنين :
الأساس الأول : جانب العقيدة الإسلامية
التي تشمل كثيراً من المزايا والمحاسن المتعلقة بأسس الحضارة ، فهي تعنى بسمو الإنسان وبإيمانه واستعلائه بيقينه على الهوى والشهوة وتعنى بسمو تفكيره بالمنهج الذي يعتمد على الدليل { قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين } ، وترك التقليد { إنا وجدنا آباءنا على أمة } ، ثم أيضاً تقدم العقيدة في مضمونها التصور الحقيقي الصحيح لهذه الحياة والنظرية السليمة للربط بين الأسباب والمسببات ، وكذلك تقدم الجانب الأهم في حياة الإنسان وهو ارتباطه بخالقه وبخالق الكون بالله سبحانه وتعالى ، فلا يأس من رحمة الله { إنه لا ييئس من رحمة الله إلا القوم الكافرون } ، ولا غفلة عن الله سبحانه وتعالى ، ولا اعتماد إلا عليه سبحانه وتعالى ، فهذه العقيدة تؤسس المبادئ التي يفهم الإنسان فيها غايته وموقعه من هذا الوجود وصلته بخالقه سبحانه وتعالى .

ثم الأساس الثاني هو : النظام الاجتماعي الإسلامي
الذي جاء بالتشريعات الإسلامية فهو الذي يؤسس على سبيل المثال مبدأ المساواة { إن أكرمكم عند الله اتقاكم }.. ( لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى ) كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام ، وتؤسس العدالة في ما بين الناس وتقيم الحرية الحقة التي ليس فيها ظلم ولا بغي ولا عدوان وتعقد أواصر الأخوة الإنسانية ثم الإسلامية وتقيم الحياة على جانب التعاون والتآلف فيما بين الناس .

وهذا بإيجاز يجعل هذه الحضارة قائمة على أسس من المبادئ والسلوكيات تكفل لها القيام والنمو والازدهار والاستمرار ،  ثم نختم هذه العجالة بالوقوف السريع أمام أمراض الحضارات التي تؤدي إلى تدهورها وانهيارها ومن أهمها :
1- الجهل بحقيقة الإنسان
فكثير من الحضارات المتأخرة كالحضارة الغربية وغيرها تجهل حقيقة الإنسان من حيث مشاعره وأفكاره ومبادئه وحاجاته الروحية والإيمانية ونحو ذلك ، وكانت لهم ردة فعل تجاه ما كان من تسلط الكنيسة ونحو ذلك مما لا مجال لذكره فكانت هناك انطلاقة بعيدة عن مشاعر الإنسان وفكره ومتطلباته الروحية فهذا من أهم الأسباب التي يحصل بها كثير من الفساد .

2 - طغيان الحياة الصناعية على الإنسانية
فيكون قيمة الإنسان بقدر ما ينتج ومن كانت إنتاجيته ضعيفة لعارض هو فيه معذور ؛ فإنـه لا قيمـة لـه وبالتالي تطحنه هذه العجلة الصناعية وتقضي عليه .

3 - الإغراق في الشهوات وهو - لا شك - من أعظم الأسباب .

4 - وهذا على وجه الخصوص الترف والنعيم الزائد الذي يطغي الإنسان ويبعده عن حقيقة المبادئ الربانية في العقائد الإسلامية أو حتى فيما عند أهل الكتاب من مبادئ لم تحرف في كتبهم كما أنها تصرف الإنسان عن المبادئ الإنسانية .

5 -  وأخيراً الانحطاط الخلقي .

وقفتنا الرئيسة أيها الأحبة في السلوك الحضاري هي مع نماذج واقعية من السلوك الذي نعيشه ونراه في واقع مجتمعات المسلمين . نشير فيه إلى الأسس والمبادئ التي جاءت في منهج الإسلام وشريعته ونرى بعد ذلك الصور التطبيقية وهدف هذه المقارنة :

أولاً : التأكيد على شمول الإسلام ونهجه على أرقى المعاملات والسلوكيات الإنسانية الحضارية .
ثانياً : إدراك الفرق الشاسع في بعض الأحيان بين منهج الإسلام وواقع المسلمين .
ثالثاً : إزالة البس في فهم الحضارة و السلوك الحضاري ، فمثلاً تجد الناس اليوم يقولون لك إن فلاناً متحضر ويقولون لك إن فلاناً سلوكه حضاري ومعاملته حضارية ، وكثير ما يكون هذا الوصف منصرفاً إلى صور من السلوكيات الخاطئة التي لا تفق مع الإسلام ، ولا تتفق حتى مع الحضارة ، وأحياناً قد تكون سلوكيات حسنة لكنها عبارة هن مظاهر لا أصل لها في الباطن ولا أصل لها في الجوهر ، فإذا لبس الإنسان على سبيل المثال اللباس الذي يسمى اللباس الإفرنجي أو البنطلون ثم لبس ربطة العنق وضع ما يضعونه في الجيب وكذا هذا إنسان متحضر ، أو إذا رأوه مثلاً يتأنق في مشيته أو يتحذلق في كلامه أو ربما يفعل بعض الممارسات في طعامه وشرابه قالوا لك إن هذا إنسان متحضر .

فإذن هذه السلوكيات ما كان حسناً ننظر فنرى أنه في الإسلام على أكمل وجه وما كان على غير ذلك سنرى ما يكون بضده .
وكما قلت من أهدافنا في هذا الموضوع أن نقف على أخطاء سلوكياتنا التي نقع فيها ونقف على الصورة الخاطئة في وصف هذه السلوكيات الحضارية ؛ لأن كثيراً من الناس كما هو حال التفاوت الذي يكون بين الأقوياء والضعفاء أو المتقدمين والمتأخرين يرون أن الحضارة وأن التقدم وأن السلوكيات وأن كل ما يتعلق بالأسلوب الراقي في المعاملة والمخاطبة والأفعال وغير ذلك إنما هو عند الغربيين أو الأمريكيين أو غيرهم ؛ لأنهم أهل الحضارة هم أهل الصناعة هم أهل التقنية إلى غير ذلك فهذا انعكاس يأتي من هزيمة نفسية تقع للناس .
وأحب أولاً أن نشير إلى بعض القواعد التي تضبط السلوكيات العامة في منهج الإسلام وتوجه إليها المسلمون .

وهناك قواعد عامة كثيرة نشير إلى بعض منها حتى ندرك أن المنهج الإسلامي منهج منضبط يحقق الفوائد والمنافع ويمنع المضار والمساوئ :

أولاً : قاعدة " لا ضرر ولا ضرار "
 هذه القاعدة العظيمة التي تضمنتها كلمتان من كلمات النبي عليه الصلاة والسلام الذي أوتي جوامع الكلم تلخص لك ما يتعلق بالسلوك الإنساني والتعامل في ما بين الناس بأنه ينبغي أن لا يكون هناك ضرر على الناس ولا ضرر للحق فإذا أردت أن تدفع الضرر على نفسك فلك ذلك لكن بشرط أن لا يوقع هذا ضرراً على غيرك.
فهذه القاعدة على سبيل المثال تضبط كثيراً من السلوكيات العامة على سبيل المثال - وسنأتي به إلى تفصيلات - الذي يأتي مثلاً فيوقف سيارته موقفاً خاطئاً يغلق الطريق على غيره ، أو يضيق طريق الناس أو يسد الطريق فهذا يقال له لا ضرر ولا ضرار ، ونقول إن هذا سلوك غير حضاري وهو أيضاً سلوك غير إسلامي ، لكن كم نرى هذا السلوك في واقعنا ؟ كم نرى من هذه الأمور التي يمارسها كثير من الناس ولا يرون فيها غضاضة ولا يرون بها صلة بالإسلام ولا علاقة به ؟ .

 قاعدة ثانية وهي : قاعدة " درء المفاسد مقدّم على جلب المصالح "
 قد تكون هناك مصلحة لك لكنها تسبب أضراراً للآخرين أو تسبب لك مصلحة لك لكنها تترتب أو يترتب عليها أضرار أكبر بالنسبة لك ، فهذه وإن كان في جانب منها ما يبدو فيه المصلحة ، لكنها في جانب آخر مفسدتها أعظم ، فإنها تدرأ هذه المفاسد العظيمة ولو فوتت تلك المصالح اليسيرة كما قال الله عز وجل في شأن الخمر والميسر { وإثمهما أكبر من نفعهما } نفع التجارة هذا السلوك الحضاري المعاصر عند الحضارات الغربية ما دامت له مصلحة ويحققها فليفعل ما يشاء ، وإن كانت هناك أضرار عامة وأمور عظيمة تترتب على هذه المصلحة اليسيرة ، ومن هنا نرى النظام الاقتصادي الذي تقوم عليه الحضارة الغربية يزيد الأغنياء غناً ، ويزيد الفقراء فقراً ، وينزع المعاني الإنسانية ، ولا يراعي درء المفاسد العظمى إذا تحققت مصالح يسيرة قليلة .

ثالثاً : قاعدة " أحب لأخيك ما تحب لنفسك "
وهذا ميزان دقيق حساس في السلوكي الحضاري الذي يجعل الإنسان يعرف ما يؤذي الناس أو ما لا يستسيغونه من خلال ما يعرفه مما لا يحبه هو نفسه فإذا كان لا يحب الإيذاء أو الفضاضة أو كذا لنفسه ! فكذا ينبغي أن لا يحبها لغيره  .

وهذه بعض القواعد العامة وننطلق إلى نماذج كثيرة من السلوكيات العملية التي نحب أن نقف عندها :
سلوكيات الأوقات
إذا كان بينك وبين إنسان ما موعداً فجاءك على موعده بالساعة والدقيقة - كما يقولون - فإن كثيراً من الناس يقول لك هذا مواعيده إنجليزية كما يقولون أو مواعيده غربية أو يصفونه بأنه صاحب سلوك حضاري وهذا لا شيء فيه وهذا في الحقيقة هو من أسس الإسلام ومن منهج هذا الدين العظيم إذا وعد الإنسان المسلم أن لا يخلف ، وكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا وعد أحداً لم يخلف - عليه الصلاة والسلام - وقد ورد في سنن الترمذي أنه واعد رجلاً مرة فنسي الرجل موعده فجاء بعد عدة أيام فوجد النبي - عليه الصلاة السلام - في موعده ينتظر كل يوم في ذلك الوقت كما ورد في سن الترمذي .
فإذن هذا الموعد كما نقول اليوم لا يحترمه كثير من الناس وللأسف نجد عند المقارنة أن المسلمين أكثر إخلافاً وإهمالاً للموعد والدقة فيه من غيره ، وهذا إذا تأملت فإنك تجد فيه مضار عديدة منها تضييع الأوقات ، فأنت إذا جئت إلى موعد ولم يأتي صاحبك في موعده فإنك تتعطل وتنتظر .. وإذا كان هذا الموعد - على سبيل المثال - يجمع عدداً من الناس خمسة أو ستة فجاء الخمسة وبقي السادس فانتظره هؤلاء لأنه ربما يحتاج عملهم أن لا يبدؤوا حتى يأتيهم فانتظروه نصف ساعة على سبيل المثال فكم من الوقت مضى وهم ينتظرونه ؟
إن الوقت الذي أهدر في هذه النصف ساعة ليس نصف ساعة فحسب وإنما هو ساعتان ونصف أي نصف ساعة لكل فرد من هؤلاء الأفراد لكن لما هان الوقت على الناس ربما لم يدركوا هذا المعنى وأصبح أغلب الناس إلا من رحم الله إذا جاءك متأخراً عن الموعد نصف ساعة أو أكثر قليلاً شعر كأنه أتى في الموعد الصحيح المضبوط لأن نصف الساعة والساعة لا تعتبر تأخراً وليست مما يهتم به وتجد أيضاً في مقابل هذا إن هذا المتأخر لا يعتذر لك عن تأخره ولا يقول لك إنني قد عطلتك أو أخرتك بل ربما لو قلت له إنك تأخرت لقال لك : وماذا حصل هل قامت القيامة ؟ هل انطبقت السماء على الأرض ؟
وهذا كله يدلنا على أن هذه السلوكيات الإسلامية الحضارية لم تعد منطبقة في واقع المسلمين مع منهج الإسلام الذي جاء في كتاب اله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، المسلم منظم الوقت ؛ ينظم أوقاته الصلوات التي تبدأ من الفجر حتى العشاء ولها مواعيد منضبطة : { إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتا } .
تنظمه الآداب الإسلامية التي جاءت في هدي النبي - عليه الصلاة والسلام - ومع ذلك تجد مثل هذا الأمر جانب آخر في سلوكيات الأوقات وهو جانب من الجوانب المؤسفة المؤلمة التي ينكوي بنارها أكثر الناس في كثير من بلاد الإسلام ، وفي كثير مما يسمى بالدول المتأخرة أو التي يسمونها النامية - أو ما يسمى بدول العالم الثالث - وكثير منها من البلاد الإسلامية وهي ضعف الإنتاجية في مقابل الوقت قرأت مرة ورقة تلفت النظر إلى ما يهدره الموظف من وقت في أثناء عمله فتلخص هذه الورقة مثلاً :
هذا الموظف جاء متأخراً نصف ساعة ، ثم قضى نصف ساعة أخرى – مثلاً - في تناول طعام الإفطار وبعض من الوقت أيضاً في قراءة الجرائد ، ثم أيضاً أكثر من هذا في استعداده للصلاة و ما يلحق بها ثم في بعض الأحاديث الجانبية ، ثم تجد في الخلاصة النهائية إن هذا الموظف الذي دوامه ثماني ساعات لم ينجز من العمل ما يكافئ ساعة واحدة .

وهذا بالمقياس المادي الذي يقيس به من نسميهم أهل الحضارة ثم لا يقتدي بهم المسلمون إلا في الجوانب السيئة !
يحسبون هذه الخسارة بالمعدلات الإنتاجية والمالية فيقولون لك إن التعطل ساعة من العمل يعادل كذا مليوناً أو ملياراً من الدولارات أو الريالات أو غير ذلك ، أما نحن فتأتي إلى الموظف فيقول لك - خاصة إذا جئته يوم الأربعاء في الساعة العاشرة - يقول لك : اليوم الأربعاء ولم يبقى من الوقت إلا القليل فتحتاج أن تأتي إلى السبت ، فإذا جئته إلى السبت ، قال : هذا أول الأسبوع ومازلت المعاملة تحتاج إلى كذا وتمضي الأسابيع والأيام .. وكما نعلم كل أو أكثر الناس يشتكون من هذا وهذا أيضاً سلوك غير حضاري ، فيه إخلاف للموعد وفيه إهمال في العمـل وفيـه تقصير في القيام بالواجب ، وفيه تضييع للأمانة ، وفيه تفريط في حقوق الأمة ، وفيه جناية عظيمة ربما كانت في بعض الأحوال أكثر جرماً وأعظم إثماً من معاصٍ أخرى قد يرتكبها ، لا يعود ضررها ، إلا على نفسه وحده.

ولذلك عندما نقول " السلوك الحضاري " نجد مقارنة عند الناس ، فيقولون لك مثلاً : إن الغربي أو الأمريكي أو الياباني ، وهذا الذي يضرب به المثل في هذه الأوقات إنه كالساعة يأتي قبل الثانية الأخيرة من بداية دوامه ، ويشتغل دون أن يتوقف أو يضيع شيئاً من وقته وإذا جاء وقت راحته ؛ فإنه يستنفذه كاملاً حتى يعود إلى عمله نشيطاً ، فتجد كما تقول المعدلات الإحصائية اليوم : " إن إنتاجية العامل الياباني ، تعادل نحو إنتاجية اثنين أو العمال الغربيين لكنها قد تعادل إنتاجية - والله أعلم - عشرين أو ثلاثين من إنتاجية العاملين في كثير من البلاد الأخرى وللأسف كثير منها من البلاد الإسلامية " .

أذكر أني في إحدى البلاد العربية الإسلامية الكبرى ذهبت لمكتبة من المكتبات العظمى الكبيرة الشهيرة ، التي تضم أعداداً هائلة من الكتب ، ونفائس من المخطوطات ، وكان الوقت المتاح لي بحكم السفرة اليسيرة ، فكنت أحرص على أن أبكر في الساعة السابعة حتى أغتنم الوقت كله لأستفيد لأنني سأبقى بضعة أيام ، ثم أرحل فكنت إذا جئت في السابعة كان أول موظف يأتي في التاسعة ، ثم ينتظر ولا يعمل شيئاً حتى التاسعة والنصف ، ثم إذا بدأت التاسعة والنصف بدأ بالعمل وهو متباطئ كأنما قام من فوق سريره للحظة والتو .

وذهبت إلى معهد من معاهد العلم التي تضم المخطوطات في ضحوة النهار فدخلت المبنى حجرة ثم حجرة ولا أجد أحداً ، وأقرع الأبواب وأرفع الصوت وأتنحنح وأتحمحم حتى وصلت إلى غرفة ، فإذا بها جمع حاشد هم موظفو هذا المعهد مجتمعون لطعام الإفطار في إهمال عجيب ، ثم إذا بك ترى صور من التخلف الحضاري العجيب لإهمال هذه السلوكيات في جانب الأوقات .
وكما قلت الأمر يطول بنا في ذكر الأمثلة وإنما أحببت في كل مجال في هذه المجالات أن نشير إشارات عاجلة .

 وأن نكون كما قلت :
1- نؤكد على الهدف من هذه الملاحظات وهذه الاستعراضات في هذه السلوكيات .
2- أن ندرك الفرق بين المنهجي وبين الواقع .
3- أن نؤكد حضارة الإسلام وتقدمه .
4- أن نزيل اللبس الذي يقع في وصف السلوك الحضاري بمظاهر جوفاء أو بسلوكيات خاطئة منحرفة عن منهج الإسلام .

سلوكيات في التعامل مع المرافق العامة
وهذا أيضاً باب من الأبواب التي يكثر الحديث عنها وفيها من خلال الواقع .. النبي عليه الصلاة والسلام يذكر لنا في الحديث الصحيح من رواية أبي هريرة : (الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى من الطريق والحياء شعبة من الإيمان ) .

فهذا هو الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام يجعل إماطة الأذى من الطريق العام جزءاً وخصلة من خصال الإيمان ، بل يذكر في حديث صحيح آخر عن رجل دخل الجنة بسبب جذع كان يؤذي الناس في الطريق فأخره عنهم فشكر الله له فأدخله الجنة.

وفي أحاديث النبي - عليه الصلاة والسلام - ما يبين لنا كيف نحترم المرافق العامة والوسائل أو الأمور التي يحتاج الناس إليها ، فهاهو - عليه الصلاة والسلام - يذكر النهي عن قضاء الحاجة في قارعة الطريق ، وفي ظل الشجر وفي الماء الذي قد يحتاج الناس إليه ، فهذا أيضاً من مراعاة هذه المصالح العامة ، وقال عليه الصلاة والسلام أيضاً : ( لا يبولن أحدكم في الماء الراكد الذي لا يجري ) .

وغير ذلك من الأمور و الآداب العامة التي ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام ، وأيضاً من نهج الإسلام المحافظة على الأموال والمصالح العامة في قواعد كثيرة ، وكليات عظيمة من آيات القرآن الكريم ، وأحاديث المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ومع ذلك انظر إلى السلوكيات العامة في واقع كثير من الناس وهذا لا ينطبق مع القاعدة التي ذكرتها في قول النبي عليه الصلاة والسلام : ( أحب لأخيك ما تحب لنفسك ) ، وفي قوله عليه الصلاة والسلام : ( أن تأتي للناس ما تحب أن يأتوا به إليك ) .
ماذا نرى على سبيل المثال ؟
في المرافق والمصالح العامة من تعديات وسلوكيات تدل على تخلف حضاري وتدل كذلك على عدم الالتزام الإسلامي .
وكما قلت موضوعنا يتعلق بالواقع والقصص والأشياء التي تحدث في حياتنا اليومية : كم نرى من هواتف العملة التي قطعت أسلاكها، أو عطلت آلتها، أو هشم زجاجها، أو كتب عليها كلمات بذيئة ؟

كم نجد أيضاً في المرافق العامة التي تهيأ مثلاً فيها المقاعد والأماكن التي يستريح فيها الناس؟ فإذا بك تجد ذلك المقعد الرخامي وقد نزع منه رخامه أو ذلك المقعد الخشبي وقد كسر خشبه أو الإساءة التي نراها في المرافق العامة في الحدائق أو الأشجار أو رمي القمائم أو نحو ذلك .

وانظر أيضاً إلى أمر يكثر حدوثه في واقع الناس ، فترى على سبيل المثال وأنت تمشي في الطريق العام بالسيارة وإذا الذي أمامك كما أشرت في الدرس الذي مضى ربما شرب مشروباً أو عصيراً ثم رمى بالعلبة من زجاج النافذة في عرض الطريق العام دون أن يكون مستشعراً بأنه ارتكب أي خطئاً ، وربما لو أدركته وقلت له لما فعلت ذلك ؟ لقال لك : وهل الشارع ملك أبيك أو ملك أمك ؟ وهذا يقع كثيراً .
ومن أسوء من ذلك من يقذفون بالسيجارات المشتعلة ، ويترتب عليها ما يترتب من مضار ربما حرائق ومصائب كبرى .

وتجد أيضاً كثيراً من الناس إذا جاءوا للحدائق العامة أتلفوا شجرها وأفسدوا نظامها وجعلوها قذرة ، وهذا كله لا ينطبق مع نظافة الإسلام ولا مع حرص الإسلام على هذه المرافق العامة وللأسف أننا نجد هذا في المسلمين أكثر من غيرهم ، وتجد كثيرين إذا ذهبوا إلى بلاد أخرى البلاد المتحضرة التي يسمونها متحضرة ، تحضروا معها، فهو في بلاد الغرب لا يمكن أن يرمي بمنديل أو بعلبة أو زجاجة أو نحو ذلك .. لماذا؟ يقول نحن في بلاد حضارية ، وتجد بعضهم يضرب الأمثلة فيقول لك - على سبيل المثال - إن في سنغافورة من يرمي منديلاً وهذا واقع يغرمونه غرامة فضيعة ويسجن لعدة أيام ولذلك ترى شوارعهم مثلاً نظيفة ترى مرافقهم العامة سليمة ترى الخدمات متوفرة ومنتشرة ، لماذا ؟ لأن هناك سلوكاً حضارياً ، هو في الحقيقة سلوك إسلامي لكننا تخلينا عن إسلامنا وعن آداب إسلامنا فوصفنا بالتخلف لا لأننا لم نتبع الغرب ولكن لأننا لم نتبع الإسلام ! فهذه كلها سلوكيات إسلامية وحضارة الإسلام تتضمنها وتؤسسها وتحث عليها وفيها ضمان استمرارها وبقاءها وقس على ذلك أنماطاً كثيرةً من السلوكيات التي يعني يشمئز منها الإنسان ومع ذلك تجد الناس استسلموا لها ولا أحد يفكر في معالجتها ، بل ربما تجد بعض الناس وهذا حتى في الخيرين والصالحين والمرتادين للمساجد الحريصين على العام أو الدعوة أو الخير تجد فيه مثل هذه السلوكيات .. إنهم ألفوها ونشئوا فيها فلم ينتبهوا إليها ، ولو قلت لأحد لا تفعل هذا لقال لك وما عسى أن يكون امتناعي مؤثراً في هذا لكننا نقول دائماً التغيير يبدأ من القناعة الداخلية وينعكس على السلوكيات الخارجية وينشأ من الفرد ثم يعم المجتمع ، ولذلك كل هذه الجوانب ستجد أنها أيضاً لو أن كل واحد منا التزم ذلك لكان حالنا على غير هذا الحال ؛ فإن هذا الطريق الذي تقذره بما تلقي فيه من هذه النفايات هو الطريق الذي ستمر فيه أو تحتاج إليه ، وإن ما يترتب على ذلك من مضرة أو أذى يلحقك إثمه ، وليس مجرد عقوبة أو مجرد غرامة حتى إنه لما صدرت من البلديات في الفترة الماضية بعض الغرامات على مثل هذه الأمور كان الناس في مجالسهم يذكرونها ويتندرون ويضحكون ويستغربون ويستعجبون ويحكمون يإستحالة فعل ذلك واستحالة تطبيقه وللأسف لم يكن من ذلك أيضاً شيء في الواقع .

انتقل أيضاً في هذه السلوكيات إلى السلوكيات المتعلقة بالطرق أو ما نسميها بالسلوكيات المرورية إذا صح التعبير :

في حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن المجالس في الصعدات - أي المرتفعات ومناطق التقاءات الطرق إذا صح التعبير فقالوا يا رسول الله ليشق علينا الجلوس في بيوتنا ، فقال : ( إن جلستم فأعطوا المجالس حقها ) قالوا : وما حقها يا رسول الله ؟ قال : ( إدلال السائل ، ورد السلام ، وغض الأبصار ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ) .
وفي حديث أبي سعيد الخدري الصحيح المشهور قال النبي عليه الصلاة والسلام : ( إياكم والجلوس في الطرقات ) قالوا يا رسول الله : مالنا بد من مجالسنا نتحدث فيها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أما إذا أبيتم فأعطوا الطريق حقه) قالوا : وماحق الطريق يا رسول الله ؟ قال : (غض البصر وكف الأذى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) .

ونحن نرى كما أشرت فيما سبق كثيراً وكثيراً وكثيراً من الأحوال المتعلقة بمراعاة الطرق ، وهذا إيجاز ، قد توسعت فيه مرة في إحدى خطب الجمعة فيما يتعلق بآداب الطريق والنظام الإسلامي الذي ورد ووقع في واقع المسلمين بذرع الطرق ، وكم هي المسافة التي يستحق أن يستخدمها من هم على جوانب الطرق من أصحاب المحلات أو من أصحاب البيوت ؟ وكم مما لا ينبغي أن يتجاوزوه في هذا ؟ وكيف يستفيد أصحاب البيوت والمنازل ، من المرافق العامة الموجودة على الطرقات وما لا ينبغي لهم أن يستفيدوا منه وهناك كثير من القواعد والآداب الإسلامية في هذا ، ومثلها الآن أيضاً موجود في البلاد الغربية أو البلاد المتحضرة كما يسميها كثير من الناس فإنك إذا اعتديت على الطريق العام أو وقفت في الموقف الخاطئ أو سددت الطريق بسيارتك أو نحو ذلك ؛ فإنك تكون قد ارتكبت أمراً خطيراً وجرماً فظيعاً وتعاقب على ذلك معاقبة شديدة وقاسية واليوم في واقع اجتماعياتنا .

أيضاً نرى أن الضرر الناتج عن السلوكيات غير الحضارية في المعاملات المرورية كثير جداً فما أكثر ما يخالف الناس التزام الموقف الصحيح في وقوف سياراتهم ، وكما قلت يغلقون الطريق على غيرهم و يقطعون الإشارات أو يتقدمون عليها أو نحو ذلك ولا يرون في هذا شيئاً ، بل ربما يعني كان كثير منهم يفتخر بمثل هذه الممارسات والتحايل الذي قد يقع منه ، وهذا كما قلت إشارات موجزة لمثل هذا الجانب .

ننتقل أيضاً إلى سلوكيات اجتماعية كثيرة للمقارنة في بعض هذه الجوانب :
من السلوكيات التي يتحدث عنها الناس في وصف بعض أهل الحضارات ما يتعلق بالسلوكيات الإجتماعية في جوانب شتى ومنها الاستئذان فتجد مثلاً الإنسان الذي يأتي ويطرق الباب ، وكذا يقولون إنه إنسان متحضر أو الذي يستأذن أو الذي يعني يكون في دخوله هادئاً ورصيناً ورزيناً ومتزناً إلى ما غير ذلك نجد في تشريع الإسلام وفي آدابه الشيء الكثير الذي ورد في هدي النبي عليه الصلاة والسلام وفي الآيات القرآنية في ما يتعلق بالإستئذان وهو شيء كثير جداً ومنهج متكامل كما بين الله - سبحانه وتعالى - في الاستئذان : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا } .

وأيضاً آداب الاستئذان على البيوت غير المسكونة وأيضاً الاستئذان الذي ذكره النبي - عليه الصلاة والسلام -كما ورد في حديث أبي سعيد الخدري ، أن يستأذن ثلاثاً فإن أذن لـه وإلا فليرجع .
وأيضاً ما ورد في الاستئذان العام الذي يشمل كل شيء  فقد ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام أحاديث كثيرة في هذا وورد أيضاً عن السلف وعن الصحابة رضوان الله عليهم ما يشير إلى كمال الأدب في مثل هذا.

 فجاء رجل إلى عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - وقال له أأستأذن على أمي ؟ قال : ( ما على كل أحيانها تحب أن تراها ) وفي رواية أخرى أنه قال : ( إن لم تستـأذن عليهــا رأيـت ما تكره ).
وورد أيضاً أن الرجل يستأذن على أبيه كما ورد عن موسى بن طلحة ، قال : دخلت مع أبي على أمي فدخل فتبعته فالتفت فدفع في صدري ، وقال : أتدخل من غير إذن .

وكذلك استئذان الأب يستأذن على أبيه وولده كما ورد في كلام جابر - رضي الله عنه - قال : " يستأذن الرجل على ولده وأمه وإن كانت عجوزاً وأخيه وأخته وأبيه " ، وأيضاً سئل ابن عباس فقال له رجل أستئذن على أختي ، فقال : نعم ، فأعدت عليه فقلت أختان في حجري وأنا أمونوهما وأنفق عليهما أأستأذن عليهما ؟! فقال :  أتحب أن تراهما عريانتين ؟! ثم تلا قوله عز وجل : { يا أيها الذين ءامنوا ليستئذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم } .

 وأيضاً تلا قول الله عز وجل : { وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم } ، وهذه الآداب هي من السلوكيات الحضارية التي ينبغي للمسلم أن يتبعها ، ونحن نرى اليوم - كما قلت - أن من يأخذ بهذا يقولون : إنه إنسان متحضر ومتأدب فهو لا يقرع الباب قرعاً عنيفاً ولا يضع إصبعه - كما يقولون - على الجرس فلا يرفعها حتى يوقظ كل نائم ، ويزعج كل مريض ويقض كل مضجع .

 هذا أيضاً من السلوكيات الإسلامية الحضارية وكثير من المسلمون ضيعوها أو فرطوا فيها ولو تأملت فإنك تجد أن التنشئة الإسلامية للأبناء والأطفال على هذه السلوكيات أمر مهم ، ثم نقارن مرة أخرى لأهل الحضارات التي أغترّ بها الناس ، فنجد أن هذا الجانب عندهم جانب ضعيف ، وجانب يكاد في بعض الصور يكون منعدماً ؛ لأنه ليس عندهم عورة ولا حشمة ولا حرمة ولا عفاف ، وهذا أيضاً جانب من الجوانب التي ينبغي التأمل فيها .

ثم أنتقل إلى بعض السلوكيات الذوقية :
لأننا كما قلت نظر إلى الإنسان إلى هندامه وإلى تسريحة شعره إلى وضاءة وجهه ، فنقول : إنه إنسان متأنق أو متحضر ونرى فهم مخلوطاً عند بعض الناس ومنهم طيبون ومنهم صالحون ؛ فإنك تراهم يهمل مظهره ومنظره وهيئته ولباسه ، وينسى هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك ، بل ربما رأى بعضهم خطئاً وتوهم توهماً غير صحيح أنه ينبغي أن يكون على هيئة غير حسنة ، وربما رأى أن تقطيب وجهه ، وأن حدة نظره ، وأن تقطبي جبينه هو الذي ينبغي أن يكون ! وينسى في هذا - كما قلت - منهج الإسلام ..
النبي - عليه الصلاة والسلام - لما جاءه الرجل وهو ثائر الرأس وأغبر الوجه عاتبه النبي عليه الصلاة والسلام ، فمضى وأصلح من شأنه ، وحسّن من حاله ، فمدح النبي - عليه الصلاة والسلام - صنيعه ، وأمر النبي - عليه الصلاة والسلام - الذي يرجع إلى أهله أن يكون حسن المظهر حسن المنظر .
وبيّن النبي عليه الصلاة والسلام أيضاً في كثير من الجوانب العملية في سنته بعض هذه الآداب ، وبعض هذه السلوكيات ، فنجد في هذه الملاحظات والسلوكيات المظهرية أحاديث كثيرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فهذا حديث أبي داود الذي أخرجه في سننه عن أبي هريرة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من كان له شعر فليكرمه ) .

وأيضاً في حديث أبي بكر بن محمد أن رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان أميراً وكان يمشي حافيـاً ولا يدهن إلا أحياناً فقلت له في ذلك كذا وكذا فقال أي الزيادة عن الحد قال كان النبي ينهانا عن الترفه والدهان كل يوم ، أي أن النبي يأخذ بالقصد في ذلك .
وأيضاً وردت أحاديث عن النبي - عليه الصلاة والسلام - في أمور كثيرة مظهرية ومنها أنه - عليه الصلاة والسلام - رأى غلاماً قد حلق بعض رأسه وترك بعضه فنهى عن ذلك ، وأمرهم إما أن يحلقوه كله أو يتركوه كله ، ونهى النبي عليه الصلاة والسلام عن " القزع " وهو أخذ بعض الرأس وترك بعضه ، وأيضاً نهى النبي عليه الصلاة والسلام أن لا يراعي الإنسان مظهره في لباسه فيكشف ما ينبغي أن يستر ويكشف ما يقبح أن يرى من الإنسان وذكر النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث :( إن الله حيي ستير يحب الحياء والستر ، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر ) .

فهذه المعالم تدلنا على أن الإنسان المسلم ينبغي أن يلبس اللباس الحسن ، وأن يرجّل شعره ، وأن يدهن وأن يتطيب ، وأن يكون مظهره حسناً ، ولا يفعل ما يفعله بعض الناس من إهمال هذه المظاهر ، وإن كان قد ورد النهي -كما قلنا - عن المبالغة في ذلك ، والزيادة في الترفّه والتنعم ، وما أشار إليه النبي - عليه الصلاة والسلام - في هذا الجانب من النهي وعدم المبالغة فيه ؛ فإن الإنسان المسلم ينبغي أن يأخذ بالوسط في مثل هذه الأمور ، ولذلك ينبغي أن نحسن هذا ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً .

وقد ورد في سنن ابن ماجة عن النبي عليه الصلاة والسلام :( إن البذاذة من الإيمان ) ، والبذاذة هي عدم التكلف في الهيئة والتأنق في اللبس ، وإنما الإنسان يكون على طبيعته وفطرته ، لكنه لا يلبس إلا نظيفاً طاهراً ، ولا يظهر إلا بالمظهر الحسن الذي يسرُّ ويستميل قلوبهم ، ويكون بهذا ممثلاً للإسلام ، وممثلاً أيضاً للسلوك المظهري في الإسلام ، وعكس ذلك - كما قلنا - لا ينبغي أن يكون من المسلم .
وهناك أيضاً سلوكيات ذوقية خلاف هذه السلوكيات المظهرية في السلوكيات في التعامل بين الناس ، وفيما يتعلق بعدم إحراجه ، أو عدم إدخال الحزن إلى نفوسهم ، أو عدم مراعاة الجوانب الذوقية والعرفية فيما بين الناس ، فنجد - على سبيل المثال - من يأتي إلى الناس وهم في مجلسهم فيقطع عليهم حديثهم ، أو يأتي إلى الناس في مجلسهم فيتخطى رقابهم ، أو يأتي إلى الناس في مجلسهم فيفرّق جمعهم ، أو نحو ذلك من الأسباب والأعمال التي يراها كثير من الناس في التصرفات ، وهي لا تقع من المسلم الذي يدرك ويفهم منهج الإسلام ، فقد ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث ابن عمر قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقوم الرجل من مجلسه ويقعد فيه آخر ولكن تفسحوا وتوسعوا .
وفي المجالس أيضاً إذا قام أحدكم من مجلس كان فيه ثم رجع إليه فهو أحق بمجلسه وهذا من السلوكيات الذوقية .
بعض الناس يرى أن إنساناً ما قام وسيرجع إلى مجلسه بمجرد أن يقوم يجلس في مكانه فيأتي ويقف على رأسه أو يراه وهو يحوم حول مجلسه ، لكنه لا يلتفت إليه ولا يراعي في ذلك شعوره .

 وأيضاً ورد في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم : ( نهى أن يجلس الرجل بين الرجلين إلا بإذنهما ) آداب راقية وسلوكيات حضارية عالية .

وأيضاً ورد في الحديث عن النبي - عليه الصلاة والسلام - في حديث جابر في وصف سلوك الصحابة مع النبي - عليه الصلاة والسلام - قال : كنا إذا أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جلسنا حيث ينتهي بنا المجلس ، وهكذا نجد أيضاً هناك هذه الأمثلة التي نرى فيها أيضاً مخالفات لما يقع بين الناس في أمور حياتهم العملية ؛ فإنك تجد بعض الناس عنده فضاضة وشدة وغلظة وهمجية ؛ لأن الناس يصفون غير المتحضر بأنه همجي أو فوضوي إذا دخل إلى المجلس ، فلا بد أن يعلم آخر الناس أنه جاء لارتفاع صوته ، وكثرة حركته ، وعدم مراعاته للأذواق العامة ، ولا للآداب العامة ، وكثير من الناس – وللأسف - تجده في مثل هذا يمارس مثل هذه السلوكيات .

سلوكيات متعلقة بالنواحي الصحية
وما يتعلق أيضاً بالآداب المتعلقة بالطعام والشراب والآن الناس يقولون حتى وصفوا أصحاب الأجسام الرشيقة أنهم متحضرون وأنهم لا يكثرون من الأكل وأما السمنة وأما كذا ؛ فإنه في الغالب يجعلونها من أوصاف غير المتحضرين ، ونجد أيضاً أنهم يقولون : " أن فلان متحضر " ، يعني يؤدي الرياضة ، ويمارس -كما يقولون - الحمية في طعامه أو الرجيم كما يسمى ، وعنده تنظيم لطعامه وشرابه ونحو ذلك ، ويمدحون مثل هذا الصنيع ، بينما في المقابل يأتي - كما قلنا - أصحاب السمنة وأصحاب الكروش وغير ذلك من الصور .. نجد أن المنهج الإسلامي يعطينا السلوكيات الصحيحة الحضارية النافعة ولكن كثير منا يخالف في مثل هذا .

ومن أبرز ذلك وأظهره : ما يتعلق بكثرة الطعام والآداب في الطعام فإن النبي عليه الصلاة والسلام كما ورد في حديث ابن عمر عند البخاري ومسلم وغيرهما : قال النبي عليه الصلاة والسلام : ( إن المؤمن يأكل في معي واحد وإن الكافر يأكل في سبعة أمعاء ) أي فيما يتعلق بكثرة الطعام .

وأيضاً ورد هذا الحديث في رواية أخرى عند مسلم وفيه قصة أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ضاف ضيفاً - وهو كافر - فأمر النبي عليه الصلاة والسلام بشاة فحلبت فشرب ثم أخرى فشرب ، حتى شرب حلاب سبع شياه ، ثم أصبح فأسلم فأمره له النبي صلى الله عليه وسلم  بشاة فشرب حلابها ، ثم أمر بأخرى فلم يستتمها ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام : ( المؤمن يشرب في معي واحد والكافر يشرب في سبعة أمعاء ) أو كما ورد عنه عليه الصلاة والسلام وقال عليه الصلاة والسلام في حديث آخر ( طعام الواحد يكفي الاثنين ، وطعام الاثنين يكفي الثلاثة ، وطعام الثلاثة يكفي الأربعة ) .

وكما نعلم أيضاً في أدب النبي - صلى الله عليه وسلم - في الطعام ، وأن لا يأخذ اللقمتين متابعتين ، ونحن نعلم أن الناس إذا جاء إنسان وهو يأكل من هنا ، ويأكل من هنا ، ويأكل بنهم ، قالوا : " هذا إنسان همجي غير متحضر ، انظر إلى طريقة أكله ! " ها نحن نقول هذا السلوك غير حضاري وغير إسلامي ، أما النبي - عليه الصلاة والسلام - قد جاء في الآداب و السلوكيات عنه أن الإنسان لا يأكل الأكلتين واللقمتين متتابعتين ، وأنه لا يأكل اللقمة حتى يمضغ التي قبلها ، وأيضاً ورد في الآداب أن النبي - عليه الصلاة والسلام - نهى أن يأكل الإنسان ، أو يوصف أنه لا يأكل متكاً .

وأيضاً من الآداب الراقية الحضارية الجميلة في هذا الأدب الإسلامي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن التنفس في الإناء ، وهذا أمر حضاري في طريقة الطعام والشراب ، وهو أيضاً أمر يتعلق بالناحية الصحية وفي حديث أبي سعيد الخدري أنه قال له مروان سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عـن النفـخ في الشراب فقال أبو سعيد نعم فقال له الرجل : يا رسول الله إني لا أروى من نفس واحد ! فقال :( فأبعد القدح عن فيك ) ، أي أبعده عن فمك ، قال : فإني أرى القذاة فيه ، قال : ( فأهرقاها ) ، يعني إذا وجدت شيئاً من القذى أو شيء تخرجه منه .

ونعلم أيضاً من هدي النبي - عليه الصلاة والسلام - أن كان إذا شرب تنفس ثلاثاً ، ويقول : (هذا أهنأ وأمرأ وأبرأ ) ، أو كما قال عليه الصلاة والسلام ورواه البيهقي في السنن الكبرى  ، وأيضاً عن ابن أبي حسين قال عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال : ( إذا شرب أحدكم فليمص مصاً ، ولا يعبّ عباً ؛ فإن الكباد من العب ) ، والكباد هو ما يتعلق بوجع الكبد يتسبب من هذا .
ووردت عن النبي - عليه الصلاة والسلام - كما قلنا آداب كثيرة .. منها قوله عليه الصلاة والسلام : (اغسلوا أيديكم ، ثم اشربوا فيها ؛ فإنها أنظف آنيتكم وأطيب آنيتكم ) ، وهذا أيضاً قال البيهقي في كتاب الآداب معلقاً على مثل هذه الأحاديث قال : " وهكذا الماء في الحوض الصغير أو المستنقع ، فإذا كرع فيه أرسل نفسه فيه فيمنع غيره من الشرب فيه تقززاً ".
وهذا - كما قلنا - من الآداب والسلوكيات الواضحة في مثل هذا الجانب .

ونعلم حديث ابن أبي سلمة لما قال : كانت يدي تطيش في الصحيفة فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( سم الله ، وكل بيمينك ، وكل مما يليك ) ، فهذا كله يدلنا على هذه السلوكيات الحضارية الراقية في مثل هذا الجانب.

وكثير من الناس ينظرون إلى الغربيين أو غيرهم في بعض الجوانب التي يتأنقون فيها في طعامهم وشرابهم فيرونهم أنهم قوم متحضرون ومتقدمون إلى غير ذلك مما يصفونهم به .

وأيضاً نقف مع سلوكيات حضارية فيما يتعلق بالجوانب الصحية وكثير من هذه الجوانب الصحية يرى بعض الناس أنها من مستحدثات العصر في أمور الوقاية وفي أمور الأخذ بأسباب البعد عن الأمراض وأيضاً ما يتعلق بالآداب في كثير من الجوانب ، وما يشعرون بأن هذه جوانب كلها في تعليمات الإسلام ، كما ورد عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أولاً في فضل عيادة المريض في الصحيح عنه أنه قال : ( من عاد مريضاً لم يزل في خرفة الجنة ) فقيل : يارسول الله وما خرفة الجنة قال ( جناها) .

ثم بين النبي عليه الصلاة والسلام السنة في عيادة المريض .. قال سعد رضي الله عنه : كنت بمكة فجاءني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعودوني ، ووضع يده على جبهتي ، ثم مسح صدري وبطني وقال: ( اللهم اشف سعد وأتمم له هجرته ) .
وانظر إلى الدعاء الذي يدعو به النبي - عليه الصلاة والسلام - ليكون ذلك تفريجاً للمريض عن همّه ،  وورد عن أبي مجلز من العلماء أنه قال : " لا يحدث المريض إلا ما يعجبه " ؛ لأنه مريض ، فإذا جئت وجئته أيضاً بمرضه وبعلته زدت همّه هماً .
وعن طاووس أنه قال : " أفضل العيادة أخفها " .

واليوم تنظم المستشفيات أوقات الزيارة وتشكو سلوكيات الزائرين ، وطول مقامهم ، وكثرة ما يؤذون في مثل هذا الجانب ، وحتى الجانب الأمني السلوكيات الأمنية الوقائية في الصحة ، نعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال : ( فر من المجذوم فرارك من الأسد ) ، ومع ذلك قال : ( فمن أعدى الأول ) .
وبيّن - عليه الصلاة والسلام - كثيراً من الآداب في هذا الجانب .
فإذن هذه السلوكيات أيضاً التي نراها سلوكيات حضارية هي من منهج الإسلام ، وكما قلت حتى السلوكيات الأمنية الوقائية في هذا الجانب لها أيضاً شواهد كثيرة من أحاديث وهدي النبي عليه الصلاة والسلام .
فقد ورد عنه - عليه الصلاة والسلام - كما في الحديث عند البخاري ومسلم وغيرهما ، من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون ) ، وهذه من التعليمات التي قد نراها مثلاً للدفاع المدني ، والسلامة من الحرائق ونحو ذلك ، وهي من الأشياء الحضارية المعاصرة كما يقولون وهي في هدي النبي عليه الصلاة والسلام .

وقال عليه الصلاة والسلام (إذا كان جنح الليل فكفوا صبيانكم؛ فإن الشياطين تنتشر حينئذ، فإذا ذهب ساعة من الليل فخلوهم، وأغلقوا الأبواب، واذكروا اسم الله؛ فإن الشيطان لا يفتح باباً مغلقاً، وأوكوا قربكم- أي أربطوها الآواني التي فيها الأشربة أو الماء وغير ذلك حتى لا تكون هناك أسباب من الأذى أو المرض فيها- ، واذكروا اسم الله، وخمروا آنيتكم، واذكروا اسم الله، ولو أن تعرضوا عليه شيئاً، وأطفؤا مصابيحكم )، أي لئلا تشتعل النار .
الآواني لم يكن عندهم في ذلك الوقت من حافظات وكذا فيغطونها قال (ولو أن تعرض عليه عوداً) يعني إذا كان عندك كوباً من الماء ولو أن تعرض عليه عوداً يعني إن لم شيئاً يغطى به وقد يرى أن هذا أمر شكلي لكنه فيه فائدة فإن أكثر ما يخشى في هذه الآواني والمشروبات أن تقع فيها هذه الحشرات الصغيرة فإذا وجدت عوداً سارت عليه ولم تدخل في الآواني فتؤذي أصحابها وغير ذلك أيضاً من الأمور والجوانب الكثيرة التي نجدها في سلوكيات أخرى .

وأيضاً أذكر بعض الجوانب العامة التي نراها في التطبيقات العملية ومنها ما يتعلق بمراعاة اللوائح والنظم التي تسن ؛ لتحقيق المصالح . وعلى سبيل المثال نجد أن هناك أنظمة لبعض المعاملات أو الحصول على المعاملات فهناك مثلاً لا بد أن تأتي بالأوراق اللازمة وهي كذا وكذا لكن ماذا يصنع كثير من الناس ينظر ويبحث كيف يستطيع أن يتخلص من هذه المطلوبات أو يخفف منها أو ينظر إلى الواسطة التي تعفيه مثلاً من الشهادة الصحية المطلوبة وينظر مثلاً إلى إعفائه من كشف على النظر بالنسبة مثلاً إلى المرور ويبحث عن كل ما قد يكون فيه مضرة له لكنه لا يلتزمه ولا يحرص عليه .

أيضاً مثلاً تجد كثيراً من الناس عندما يكون هناك مصلحة من المصالح أو حاجة من الحاجات وهناك عدد من الأشخاص كل منهم ينتظر دوره حتى يقضي حاجته ولكن آخانا لا يحب أن ينتظر مع المنتظرين ولا يقف أن يقف مع الواقفين فيلتمس كيف يعني يأتي أحياناً بتصرفات يعني غريبة المهم أن يصل قبل الناس أحياناً كم قلت بأمور يعني يشعر أنه يذهب ويعود ويدخل ويأتي بمراوغات ومداورات أو يذهب فيلتمس من يعني يتجاوز به هذه الجوانب لكن هذا نفسه لو ذهب كما قلت إلى بلاد أخرى من البلاد المتحضرة فقد يجد الذين أمامه أضعافاً مضاعفة لكنه يلتزم ويقف ويراعي هذه الشروط وتلك الآداب .

أقول : أيضاً في هذه المظاهر السلوكية كثير وكثير من الجوانب التي نفرط فيها ونخالف فيها شرع الله سبحانه وتعالى وهدي الرسول صلى الله عليه وسلم .

عندما نتأمل في مثل هذا الأمر أقول : نجد أن المنهج الإسلامي منهج حضاري متكامل يشتمل على مراعاة مصالح الأفراد وعلى تحقيق منافع المصالح العامة للمجتمعات كما أنه يراعي الأذواق والأعراف والآداب ، كما أنه يتضمن التكامل والتعاون الذي يقع بين الناس وتحصل به المنافع المتبادلة ولكن كثير من الممارسات السلوكية الواقعية تتعارض وتختلف مع هذه المناهج وهذه السلوكيات الإسلامية وكل ما فيه جانب من الجوانب الإيجابية فإننا نجد الإسلام قد حث عليه ولكن ما وقع فيه من تقصير فإنما هو من مخالفة الناس .

وإذا أردنا أن نؤكد على المعاني الحضارية فإننا كما قلت ننظر إليها بالجانبين الرئيسين الأساسيين :
الجانب الأول وهو الجانب : الأمور الحياتية التنظيمية .
والجانب الثاني وهو الجانب : الأمور المادية التقدمية الصناعية .
فالمسلمون – وللأسف - في جوانب حياتهم فقدوا كثيراً من هذين الجانبين فلا أمورهم الحياتية النظامية منضبطة لأنهم لم يراعوا فيها الجوانب الشرعي أو مقومات وسلوكيات الحضارة ، وبالتالي لم تنتظم أمورهم فتجد - على سبيل المثال كما قلنا - في قضايا الموظفين وكذا إذا أردت أن تقضي مصلحة أو حاجة تعثرت وضاع وقتك ولم يتحقق لك الشيء المطلوب ، بينما تجد كما يقولون الدول المتقدمة يمكن أن تقضي حاجتك بالهاتف ،يمكن أن نرسل معاملتك بالبريد ويمكن أن تستخرج رخصتك أو جوازك بالبريد أو نحو ذلك .
جميع هذه الجوانب الحضارية في الأمور النظامية كانت بوجود هذه القواعد التي أسسها في الإسلام.

ثم أيضاً الجانب الذي هو جانب التقنية والتقدم الصناعي
قد جعل الله عز وجل لنا ما في الأرض جميعاً لماذا؟ سخّره لكي نستخدمه في طاعته وفي عمارة هذه الأرض ؛ لأن الله - عز وجل - استخلف الناس فيها للقيام بعمرانها وأخذ الأسباب المادية فيها ، وقد ضرب المسلمون أروع الأمثلة في هذا الجانب في عصورهم السالفة ، فكان من عهد عمر - رضي الله عنه - ومن عهد النبي - عليه الصلاة والسلام - قبل ذلك لكن ظهرت الأمور عندما اتسعت رقعة الدولة الإسلامية دون الدواوين وأوجد النظم الإدارية في الحياة الإسلامية ، ثم تطورت الأمور في عهد الدولة الأموية العباسية ، وأخذت الأمة بأسباب التقدم المادي ، فاخترعت الاختراعات ، وأقامت سبل الحضارة المادية الحياتية ، وجاءت حضارة الأندلس وجاءت الحضارات الإسلامية الأخرى التي اقتبسها منا أعدائنا ، ثم نحن اليوم وعندنا في أسس المنهج الإسلامي الحضاري لكن نفرط في هذين الجانبين ، فلا نحن تقدمنا علمياً وصناعياً ولا نحن تقدمنا في الأنظمة والسلوكيات الحضارية الإجتماعية .





.
.